اتخذت شركة OpenAI خطوة قوية تعكس نضوج منصات الذكاء الاصطناعي وتحولها إلى أدوات استراتيجية في بيئات العمل الحساسة،واطلقت ميزة “أمان الحساب المتقدم” (Advanced Account Security)، هذه الخطوة ليست مجرد تحديث أمني روتيني، بل هي “درع سيبراني” صُمم خصيصاً لحماية العقول التي تدير البيانات الأكثر خطورة في العالم، من صحفيين وباحثين وصناع قرار، محولةً حسابات ChatGPT و Codex إلى حصون رقمية منيعة.
وتقوم الفلسفة الأمنية الجديدة لشركة OpenAI على مبدأ “عدم الثقة المطلق” في الوسائل التقليدية ومن أبرز ملامح هذا التحول:
الإلغاء التام لكلمات المرور: تفرض الميزة الانتقال إلى نظام Passkeys أو مفاتيح الأمان المادية (مثل YubiKey)، هذا يعني أن عمليات “التصيد الاحتيالي” التي تعتمد على سرقة الكلمات النصية أصبحت من الماضي فالمخترق لن يجد ما يسرقه طالما أن “المفتاح الفيزيائي” في جيب المستخدم.
قطع الطريق على هجمات “تبديل الشريحة”: قامت الشركة بإلغاء خيارات الاسترداد عبر الرسائل النصية (SMS) والبريد الإلكتروني وهي الثغرات التي طالما استغلها المخترقون عبر اعتراض الرموز بدلا من ذلك، تمنح الشركة المستخدم “مفتاح استرداد” (Recovery Key) فريدا يُحفظ يدويا بعيدا عن الإنترنت.
المسؤولية الكاملة: حرية مطلقة أم مخاطرة كبرى؟
وضعت شركة OpenAI المستخدم أمام خيار مصيري، فميزة الأمان المتقدم تمنحك سيادة كاملة على بياناتك، لكنها تسحب منك “شبكة الأمان” التي اعتاد عليها مستخدمو الإنترنت.
“إذا فقدت مفتاح الأمان المادي وضاع منك مفتاح الاسترداد الورقي، فلا تتصل بنا.. حسابك قد انتهى للأبد”.
هذا التحذير الصارم يعني غياب أي “باب خلفي” للاستعادة، حتى من قبل مهندسي OpenAI أنفسهم وهي سياسة تهدف إلى طمأنة الشخصيات السياسية والنشطاء بأن بياناتهم لن تخضع لضغوط قانونية أو تقنية للوصول إليها عبر الشركة، لأن الشركة ببساطة لن تملك وسيلة لفتح الحساب.
الخصوصية التي لا تقدر بثمن
أحد المكاسب غير المعلنة في هذا التحديث هو الربط بين الأمان والخصوصية؛ حيث تؤكد التقارير أن تفعيل هذه الميزة يؤدي تلقائياً إلى استبعاد محادثات المستخدم من خوارزميات التدريب، هذا يعني أن الأسرار المهنية، الشيفرات البرمجية الحساسة، أو الأبحاث العلمية التي تُناقش مع ChatGPT لن تخرج أبدا من “القبو الرقمي” الخاص بالمستخدم ولن تظهر في إجابات الذكاء الاصطناعي لمستخدمين آخرين مستقبلا.
ويرى خبراء الأمن السيبراني أن OpenAI تتبع خطى برنامج “الحماية المتقدمة” من جوجل، لكن بحدة أكبر تتناسب مع طبيعة البيانات التوليدية ففي عام 2026، لم يعد الخطر يكمن فقط في سرقة الحساب، بل في “تسميم البيانات” أو تسريب الأسرار الصناعية عبر المحادثات الذكية.
التخلي عن نظام الاسترداد التقليدي هو “ثمن الحرية الرقمية”؛ فالمستخدم العادي قد يجد في ذلك عبئا ثقيلا، لكن بالنسبة لمسؤول حكومي أو باحث في الأسلحة البيولوجية، فإن فقدان الحساب تماما أهون بكثير من وقوعه في أيدي جهات معادية.
نصيحة قبل التفعيل
إذا كنت تخطط لتفعيل “أمان الحساب المتقدم”، تذكر أنك بصدد قفل باب حسابك وإلقاء المفتاح في محيط رقمي؛ تأكد من امتلاك مفتاحين ماديين (أحدهما احتياطي) ونسخة مطبوعة من مفتاح الاسترداد محفوظة في خزنة فيزيائية، في عالم الذكاء الاصطناعي لعام 2026، الأمان لم يعد خيارا برمجيا فحسب، بل صار ثقافة مسؤولية فردية.

